الشيخ محمد رشيد رضا

5

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الجسد ، فهي روحانية جثمانية ، وان شئت قلت إنه أعطاها جميع حقوق الانسانية ، فان الانسان جسم وروح ، حيوان وملك . فكأنه قال : جعلناكم أمة وسطا تعرفون الحقين ، وتبلغون الكمالين لِتَكُونُوا شُهَداءَ بالحق عَلَى النَّاسِ الجسمانيين بما فرطوا في جنب الدين ، والروحانيين إذ أفرطوا وكانوا من الغالين ، تشهدون على المفرطين بالتعطيل القائلين : ( إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) بأنهم أخلدوا إلى البهيمية ، وقضوا على استعدادهم بالحرمان من المزايا الروحانية ، وتشهدون على المفرطين بالغلو في الدين القائلين : ان هذا الوجود حبس للأرواح وعقوبة لها ، فعلينا أن نتخلص منه بالتخلي عن جميع اللذات الجسمانية وتعذيب الجسد وهضم حقوق النفس ، وحرمانها من جميع ما أعده اللّه لها في هذه الحياة - تشهدون عليهم بأنهم خرجوا عن جادة الاعتدال ، وجنوا على أرواحهم بجنايتهم على أجسادهم وقواها الحيوية ، تشهدون على هؤلاء وهؤلاء ، وتسبقون الأمم كلها باعتدالكم وتوسطكم في الأمور كلها ، ذلك بأن ما هديتم اليه هو الكمال الانساني الذي ليس بعده كمال ، لان صاحبه يعطي كل ذي حق حقه - يؤدي حقوق ربه ، وحقوق نفسه ، وحقوق جسمه ، وحقوق ذوي القربى ، وحقوق سائر الناس ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً أي إن الرسول عليه الصلاة والسّلام هو المثال الأكمل لمرتبة الوسط ، وإنما تكون هذه الأمة وسطا باتباعها له في سيرته وشريعته ، وهو القاضي بين الناس فيمن اتبع سنته ومن ابتدع لنفسه تقاليد أخرى أو حذا حذو المبتدعين ، فكما تشهد هذه الأمة على الناس بسيرتها وارتقائها الجسدي والروحي بأنهم قد ضلوا عن القصد ، يشهد لها الرسول بما وافقت فيه سنته وما كان لها من الأسوة الحسنة فيه ، بأنها استقامت على صراط الهداية المستقيم ، فكأنه قال : إنما يتحقق لكم وصف الوسط إذا حافظتم على العمل يهدي الرسول واستقمتم على سنته ، وأما إذا انحرفتم عن هذه الجادة فالرسول بنفسه ودينه وسيرته حجة عليكم بأنكم لستم من أمته التي وصفها اللّه في كتابه بهذه الآية وبقوله ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) الخ بل